الشيخ محمد رشيد رضا

219

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا الحرور ، وقد جعل الخير متبعا للرضوان لان أسباب الرضوان أعلام هداية تتبع ، ولم يقل ذلك في الشرير لأنه في ظلمة يبتدع ولا يتبع . هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي إن كلا من الذين يتبعون رضوان اللّه والذين يبوءون بسخطه درجات أو ذوو درجات ومنازل عند اللّه أي في يوم الجزاء الذي ينسب إليه وحده لا ينسب إلى غيره فيه شئ لا حقيقة ولا مجازا كما قال ( 40 : 15 رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ 16 يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) والذي في كتب التفسير المشهورة أن العندية هنا عندية علم وحكم أي هم أصحاب درجات في حكم اللّه ويحسب علمه بشؤونهم وبما يستحقون . وكلا المعنيين صحيح ولا تنافى بينهما . وقالوا : ان ذكر الدرجات من باب التغليب فتشمل الدركات فالدرجات ما يرتقى عليه وهي للمرتقين من أهل الرضوان ، والدركات ما يتدلى فيه وهي للمتدلين من أهل السخط والخذلان ، كما قال في الأول ( 2 : 253 وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) وفي الثاني ( 4 : 44 إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) قال الراغب : الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود والدرك اعتبارا بالحدور ولهذا قيل درجات الجنة ودركات النار ولتصور الحدور في النار سميت هاوية . قال ) والدرك‌بسكون الراء ) أقصى قعر البحر ، والمعنى أن الناس يتفاوتون في الجزاء عند اللّه كما يتفاوتون هنا في العرفان والفضائل ، وفي الجهل والرذائل ، وما يترتب على ذلك أو يترتب عليه ذلك من الأعمال الحسنة والقبيحة . وهذا التفاوت على مراتب ودرجات يعلو بعضها بعضا من الرفيق الأعلى في الدرجات العلى الذي كان يطلبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ربه في مرض موته إلى الدرك الأسفل الذي ورد في سورة النساء ، وذكر آنفا . وهذه الدرجات لا تكون في الآخرة عطاء مؤتنفا وكيلا جزافا وإنما تكون أثرا طبيعيا لارتقاء الأرواح وتدليها هنا بالأعمال ولذلك قال بعد ذكرها وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فهو لا يغيب عنه شئ من أعمالهم ، وما لها من التأثير في تزكية نفوسهم ، التي يترتب عليها الفلاح في ارتقاء الدرجات وفي تدسيتها التي تترتب عليها الخيبة في